الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

64

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

السلام . ويشرح هذه الآية قوله تعالى في سورة الأنعام [ 125 - 127 ] : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ * وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ * لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ . والحسنى : في الأصل صفة أثنى الأحسن ، ثم عوملت معاملة الجنس فأدخلت عليها لام تعريف الجنس فبعدت عن الوصفية ولم تتبع موصوفها . وتعريفها يفيد الاستغراق ، مثل البشرى ، ومثل الصالحة التي جمعها الصالحات . والمعنى : للذين أحسنوا جنس الأحوال الحسنى عندهم ، أي لهم ذلك في الآخرة . وبذلك تعين أن ما صدقها الذي أريد بها هو الجنة لأنها أحسن مثوبة يصير إليها الذين أحسنوا وبذلك صيرها القرآن علما بالغلبة على الجنة ونعيمها من حصول الملاذ العظيمة . والزيادة يتعين أنها زيادة لهم ليست داخلة في نوع الحسنى بالمعنى الذي صار علما بالغلبة ، فلا ينبغي أن تفسير بنوع مما في الجنة لأنها تكون حينئذ مما يستغرقه لفظ الحسنى فتعين أنها أمر يرجع إلى رفعة الأقدار ، فقيل : هي رضى اللّه تعالى كما قال : وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [ التوبة : 72 ] ، وقيل : هي رؤيتهم اللّه تعالى . وقد ورد ذلك عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في « صحيح مسلم » و « جامع الترمذي » عن صهيب عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ قال : إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد : إن لكم عند اللّه موعدا يريد أن ينجزكموه ، قالوا : ألم تبيض وجوهنا وتنجنا من النار وتدخلنا الجنة ، قال : فيكشف الحجاب ، قال : فو اللّه ما أعطاهم اللّه شيئا أحب إليهم من النظر إليه . وهو أصرح ما ورد في تفسيرها . والرهق : الغشيان . وفعله من باب فرح . والقتر : لون هو غبرة إلى السواد . ويقال له قترة والذي تخلص لي من كلام الأئمة والاستعمال أن الفترة لون يغشى جلدة الوجه من شدة البؤس والشقاء والخوف . وهو من آثار تهيج الكبد من ارتجاف الفؤاد خوفا وتوقعا . والذلة : الهوان . والمراد أثر الذلة الذي يبدو على وجه الذليل . والكلام مستعمل في صريحه وكنايته ، أي لا تتشوه وجوههم بالقتر وأثر الذلة ولا يحصل لهم ما يؤثر القتر وهيئة الذلة .